سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

77

رسائل في الفلسفة والعرفان

متلذّذة بمرتبتها مبتهجة بسلطنتها ، وعلى قدر النقص في ذلك يكون العذاب والألم . ومن قائل - وهم الصوفية - : إنّ الحقّ لما نادى شؤونه على لسانه النبويّ إلى الدخول في حضرته ، وأمرهم أن يتلبّسوا عند ذلك بملابس تليق بتلك الحضرة ، وأن يتخلّوا عن غير ذلك ، فمن فهم الرمز وحلّ اللُّغز وفني بالفناء المطلق ، واتصل بحضرة الجود ، ولم يرَ إلّانفس الوجود ، فلذّته نور الوجود ، وهو لا عين رأت ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب أحد ، ومن نظر إلى ظاهر الحال وعمل بما فهم من مدلول المقال غرست له في أرض نفسه أشجار النعيم ، فكلّ عَمَلٍ عمله بزر له - عند خراب البدن - لذاته على حسب ما كان يعهد ويتلذّذ ، وكان له من ذلك الحور والولدان والأساور والتيجان ، ومن توجّه نحو الطريق ، ولكن غفل عما يروم الفريق ، وتقاعد عن السير ، ولبس ملابس الضير ، ظهرت له تلك النقائص حيّات وعقارب وسلاسل وأغلالًا ، ولا يزال كذلك حتّى يتقدّس ، فيكون أحد السابقين ، ومن أعرض عن الطريق بالمرّة ، وشغل بالأغيار عن تلك الكرّة ، فهو لا يزال معذّباً بظهوره متألّماً بفجوره ، فإذا هبّت عليه نسمة من نسمات اللُّطف والرحمة ، كان العذاب عَذْباً والرحيم ربّاً .